محمد حسين الذهبي

346

التفسير والمفسرون

عنه أنه كان يكتب جواب الفتوى على منوال ما يكتبه السائل من الخطاب ، فإن كان السؤال منظوما ، كان الجواب منظوما كذلك ، مع الاتفاق بينهما في الوزن والقافية ، وإن كان السؤال نثرا مسجعا ، كان الجواب مثله ، وإن كان بلغة العرب فالجواب بلغة العرب ، وإن كان بلغة الترك ، فالجواب بلعه الترك وهكذا مما يشهد للرجل بسعة أفقه وغزارة مادته ولقد قرأنا في ترجمته شيئا من الاستفتاء والفتوى ، فوجدنا صدق ما قيل عنه في ذلك . وكان - رحمه اللّه - كما قيل عنه من الذين قعدوا من الفضائل والمعارف على سنامها وغاربها ، وسارت بذكره الركبان في مشارق الأرض ومغاربها ، ولقد حاز قصب السبق بين أقرانه » ولم يقدر أحد أن يجاريه في ميدانه » ولقد كان اشتغاله بالتدريس وتنقله بين كثير من المدارس وتوليه للقضاء ثم الفتوى سببا عائقا له عن التفرغ والتصنيف والتأليف ، ولكنه اختلس فرصا من وقته فصرفها إلى كتابة التفسير ، فأخرج للناس كتابه الذي نحن بصدده ، كما أنه كتب بعض الحواشى على تفسير الكشاف ، وكتب حاشية على العناية من أول كتاب البيع من الهداية . وعلى الجملة فقد جمع صاحبنا بين العلم والأدب : فبينما نراه مجودا فيما كتبه وألفه من كتب العلم ، نراه مبدعا غاية الإبداع فيما أثر عنه من منثور ومنظوم ، ولا أظن أن صاحبه الذي رثاه بعد وفاته قد تغالى في الثناء ، أو اشتط في الرثاء حيث يقول في مرثيته الطويلة : ما العلم إلا ما حويت حقيقة * وعلوم غيرك في الورى كسراب توفى رحمه اللّه بمدينة القسطنطينية ، ودفن بجوار أبى أيوب الأنصاري ، وذلك في أوائل جمادى الأولى سنة 982 ه اثنتين وثمانين وتسعمائة من الهجرة . فرحمه اللّه رحمة واسعة « 1 » .

--> ( 1 ) يراجع العقد المنظوم في ذكر أفاضل الروم الموجود بهامش وفيات الأعيان ج 2 ص 282 - 305